من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

محمود الشريف يكتب: حرية الصحافة لا تُصان بالبلاغات القضائية

محمود الشريف يكتب: حرية الصحافة لا تُصان بالبلاغات القضائية

أثار بيان وزارة النقل الأخير، وما تضمنه من تقديم بلاغ ضد جريدة فيتو على خلفية ملفها الصحفي بعنوان "جمهورية المستشارين"، حالة من الجدل داخل الوسط الإعلامي.

القضية أعادت من جديد النقاش حول العلاقة بين الصحافة والجهات الرسمية، وحدود النقد، والوسائل المثلى للتعامل مع ما يُنشر في وسائل الإعلام.


الواقع يؤكد أن ملاحقة الصحفيين قضائيًا ليست الحل الأمثل لمواجهة الأخطاء المهنية – إن وُجدت – أو الرد على ما تعتبره جهة ما معلومات غير دقيقة. فالصحافة تمثل ركيزة أساسية في الرقابة المجتمعية، ومناخ الحريات هو الضمانة الحقيقية لتمكينها من أداء دورها دون خوف أو تضييق.

إن اللجوء إلى حق الرد وتصحيح المعلومات عبر القنوات المهنية والقانونية، هو السبيل الذي نص عليه القانون وأكدته مواثيق العمل الصحفي. وقد بادرت جريدة فيتو بالفعل بنشر بيان وزارة النقل ردًا على ما ورد في تحقيقها، وهو ما يعكس التزامها بأصول المهنة وحرصها على إتاحة المساحة الكاملة للرأي الآخر.

وإذا كانت بعض المؤسسات الرسمية ترى أن تناول الصحافة لقضاياها قد يشوبه قصور في المعلومات أو نقص في الدقة، فإن الحل لا يكون عبر ساحات المحاكم، وإنما عبر فتح قنوات تواصل واضحة وشفافة تتيح تداول المعلومات. فهذا الحق لم يعد ترفًا، بل هو من صميم حق المواطنين في المعرفة، كما أنه يحمي الصحافة من الوقوع في أخطاء أو اجتهادات غير دقيقة.

لقد علمنا الكبار من أساتذة المهنة أن أقوى عقوبة يمكن أن تطارد الصحفي المهني هي تكذيبه من قبل الرأي العام، وليس قرارًا قضائيًا يضيّق على حرية النشر. فالمحاسبة المهنية والتصحيح العلني هما السبيل الحقيقي لضبط الأداء الإعلامي وتعزيز الثقة بين الصحافة والمؤسسات الرسمية.

ومن هنا، تبرز الحاجة الملحة لإقرار قانون لحرية تداول المعلومات، وهو المطلب الذي طالما أكدته نقابة الصحفيين ومؤتمراتها العامة، باعتباره الضمانة الرئيسية لبناء علاقة صحية بين الصحافة والجهات الرسمية تقوم على الشفافية والاحترام المتبادل.

إن ما قامت به فيتو من نشر رد الوزارة فور صدوره يمثل نموذجًا للممارسة المهنية الرشيدة، ويؤكد أن دوافعها للنشر تنبع من الصالح العام وحرصها على عرض مختلف وجهات النظر. بينما يظل لجوء المؤسسات الرسمية إلى الرد والحوار بديلًا أنسب وأكثر فاعلية من أي إجراءات قضائية قد تُفهم على أنها تضييق على الحريات.


حرية تداول المعلومات ليست فقط مطلبًا مهنيًا للصحافة، بل هي حق أصيل للمواطنين في الاطلاع والمعرفة. وإذا كانت بعض الملفات تثير جدلًا، فإن ساحة الحوار والرد هي المكان الطبيعي لمعالجتها، لا ساحات القضاء. ومن هذا المنطلق، فإن تعزيز الشراكة بين الصحافة والجهات الرسمية، عبر الحوار والشفافية، هو الطريق الأمثل لضمان الحقيقة وحماية الصالح العام.