المحلل السياسي عمر محمد العرب يكتب في ذكرى المولد النبوي: وُلِد محمد ﷺ… فماذا بقي فينا من محمد؟
في ذكرى مولد سيد المرسلين، ونبي المتقين، وحبيب رب العالمين، سيدنا محمد ﷺ، لا ينبغي للذاكرة أن تستعيد يومًا عظيمًا من التاريخ ثم تمضي، ولا أن تختصر هذه المناسبة في كلمات التهنئة ومظاهر الاحتفاء؛ فمولد النبي ﷺ ليس ذكرى تُروى، وإنما رسالة تُستعاد، وليس تاريخًا نقرأه، وإنما منهجًا ينبغي أن نقرأ به حاضرنا، وليس مناسبةً نرفع فيها أصواتنا بالصلاة والسلام عليه ثم نعود إلى حياتنا كما كنا؛ بل هو موعدٌ مع الضمير، ووقفةٌ أمام النفس، ومرآةٌ ينبغي للأمة أن ترى فيها صورتها بلا زينةٍ ولا أقنعة، وأن تسأل نفسها سؤالًا ربما كان من أثقل الأسئلة وقعًا على القلب: وُلِد محمد ﷺ… فماذا بقي فينا من محمد؟
حين أشرقت الدنيا بمولده ﷺ، لم يكن ميلاد رجلٍ عظيم فحسب، وإنما كان ميلاد نورٍ أذن الله له أن يبدد ظلماتٍ تراكمت فوق الإنسان، وأن ينقل البشرية من عبادة المخلوق إلى عبادة الخالق، ومن العصبية إلى الأخوة، ومن القسوة إلى الرحمة، ومن الفوضى إلى ميزان العدل، ومن التناحر إلى التعارف، ومن أمةٍ تقتتل على القبيلة والدم والنسب إلى أمةٍ يجمعها الإيمان والرسالة والإنسانية.
جاء محمد ﷺ في زمنٍ كانت فيه القبيلة وطنًا، والعصبية دينًا، والقوة معيارًا، والضعيف بلا ظهر؛ فجعل من الإيمان وطنًا، ومن الأخوة رابطةً، ومن العدل ميزانًا، ومن الرحمة قوة، ومن الإنسان قيمةً لا تُقاس بمالٍ ولا نسبٍ ولا لون.
ولم يكن أعظم ما صنعه ﷺ أنه غيّر وجه التاريخ بالسيف أو السلطان، وإنما أنه غيّر الإنسان من الداخل؛ غيّر قلبه قبل أن يغيّر واقعه، وربّى ضميره قبل أن يبني دولته، وصنع من الإنسان الذي كان أسيرًا لعصبيته إنسانًا يعرف أن أخاه في الدين والإنسانية ليس خصمًا له، وأن اختلاف اللون واللسان والقبيلة لا يبرر احتقارًا ولا ظلمًا ولا إقصاءً.
جمع بين القلوب قبل أن يجمع الصفوف، وأقام الأخوة قبل أن يقيم الدولة، وبنى الإنسان قبل أن يبني العمران.
ولعل أكثر ما يؤلم في ذكرى مولده ﷺ أن ننظر اليوم إلى أمةٍ كان أول دروس نبيها فيها هو الوحدة، فنراها مثقلةً بألوان الفرقة، وأن ننظر إلى قلوبٍ جمعها رسول الله ﷺ على كلمةٍ واحدة، فنراها اليوم تتباعد بسبب مذهبٍ أو طائفةٍ أو جماعةٍ أو اتجاه، وأن نتذكر أن محمدًا ﷺ جاء ليجعل من اختلاف البشر بابًا للتعارف، فإذا ببعضنا يجعل من الاختلاف بابًا للكراهية والخصومة والتخوين.
لقد كان رسول الله ﷺ قادرًا على أن يصنع من قبائل متناحرة أمةً واحدة، ومن أناسٍ لم يكن يجمع بينهم بالأمس إلا الدم والجغرافيا جماعةً يجمعها الإيمان والغاية والمصير. جمع العربي والفارسي والرومي والحبشي، وجعل بلالًا وسلمان وصهيبًا وسائر الصحابة رضي الله عنهم أبناء أمةٍ واحدة، لا فضل فيها لعصبيةٍ على أخوة، ولا لقبيلةٍ على تقوى، ولا للونٍ على إنسان.
فكيف وصلنا اليوم إلى أن يسبق المذهب اسم المسلم، وأن تسبق الطائفة أخوته، وأن يصبح الانتماء الجزئي أحيانًا أقوى من الانتماء إلى الأمة الجامعة؟ كيف وصلنا إلى أن نختلف في مسائل الاجتهاد فننسى أصل الأخوة، وأن نختلف في الرأي فننسى أدب الاختلاف، وأن نختلف في السياسة فنكاد ننسى أننا أبناء أمةٍ واحدة، وأن نختلف في المذهب فننسى أن الذي يجمعنا أكبر بكثير مما يفرقنا؟
إن المذاهب والمدارس الفقهية والعلمية في تاريخ الأمة ليست هي المشكلة؛ فقد كانت ثمرةً لجهود علماء أجلاء، واتساعًا في فهم النصوص، وتنوعًا في الاجتهاد. وإنما المشكلة حين يتحول الاختلاف العلمي إلى عصبية، والاجتهاد إلى خصومة، والانتماء إلى جدار، والمذهب إلى سلاح، والطائفة إلى هويةٍ تعلو فوق هوية الأمة.
لقد جاء محمد ﷺ ليكسر أصنام الجاهلية، لا ليصنع المسلمون أصنامًا جديدةً من العصبيات والأسماء والأشخاص والجماعات. جاء ليحرر الإنسان من عبودية البشر، لا ليجعله أسيرًا لتعصبٍ أعمى. جاء ليجمع القلوب على الله، لا ليجعلها تتقاتل على الدنيا باسم الدين.
وما أحوجنا اليوم إلى أن نفهم هذه الحقيقة لا بوصفها درسًا تاريخيًا، بل بوصفها ضرورةً لإنقاذ حاضرنا ومستقبلنا.
فالأمة التي أنهكتها الانقسامات لا تحتاج إلى مزيدٍ من الجدران، وإنما تحتاج إلى جسور. والأمة التي أكلت الخصومات من قوتها لا تحتاج إلى مزيدٍ من الصراخ، وإنما تحتاج إلى الحكمة. والأمة التي تتنازعها الهويات الفرعية تحتاج إلى أن تتذكر هويتها الكبرى؛ أمةٌ واحدة، مهما تعددت مدارسها، وتنوعت بيئاتها، واختلفت اجتهاداتها.
وحين ننظر إلى واقع الأمة اليوم، نجد أنفسنا أمام مشهدٍ مؤلم لا يمكن تجاهله؛ حروبٌ وصراعات، مجتمعاتٌ أنهكتها الأزمات، شعوبٌ أثقلها الفقر، شبابٌ يبحثون عن مستقبلٍ لا يجدونه، عقولٌ تهاجر، وطاقاتٌ تتبدد، وخصوماتٌ تستنزف ما بقي من القوة، فيما العالم من حولنا يمضي بسرعةٍ هائلة نحو العلم والتقنية والاقتصاد وبناء المستقبل.
وليس الألم في وجود المشكلات وحده، فكل أمةٍ تمر بأزمات، وإنما الألم في أن نمتلك من التاريخ ما يكفي لنتعلم، ومن الإمكانات ما يكفي للنهوض، ومن الطاقات ما يكفي لصناعة المستقبل، ثم نظل أحيانًا أسرى لخلافاتٍ صغيرة تستنزف القلوب والعقول والقدرات.
إن الأمة التي تملك رسالةً عظيمة لا يجوز أن تجعل خلافاتها أكبر من رسالتها، ولا أن تجعل طوائفها أكبر من وحدتها، ولا أن تجعل مذاهبها أكبر من أخوتها، ولا أن تجعل السياسة أكبر من الإنسان.
وهنا تعود ذكرى المولد لتضعنا أمام مرآةٍ صادقة.
هل نحن فعلًا الأمة التي أرادها محمد ﷺ؟
هل بقي فينا من رحمته حين نختلف؟
هل بقي فينا من عدله حين نختلف مع من لا يشبهنا؟
هل بقي فينا من صدقه حين تتعارض الحقيقة مع مصالحنا؟
هل بقي فينا من أمانته حين تغرينا الدنيا؟
هل بقي فينا من تواضعه حين نمتلك القوة؟
هل بقي فينا من عفوه حين نملك القدرة على الانتقام؟
وهل بقي فينا من أخوته ما يكفي لأن يرى المسلم أخاه قبل أن يرى مذهبه وطائفته وانتماءه؟
هذه ليست أسئلةً للآخرين، وإنما هي أسئلةٌ لنا جميعًا.
فالحب الحقيقي لمحمد ﷺ ليس أن نكثر الحديث عنه ثم تغيب أخلاقه عن حياتنا، وليس أن نعطر المجالس بالصلاة عليه ثم نخرج منها فنظلم أو نكذب أو نخون أو نقطّع الأرحام أو نحتقر المختلف معنا أو نبرر الظلم إذا صدر ممن نحب ونستنكره إذا صدر ممن نختلف معه.
الحب الحقيقي أن يصبح محمد ﷺ حاضرًا في أخلاقنا قبل كلماتنا، وفي معاملاتنا قبل احتفالاتنا، وفي بيوتنا قبل منابرنا، وفي أعمالنا قبل مصالحنا، وفي اختلافنا قبل انتصارنا لأنفسنا.
أن يكون حاضرًا حين نغضب فنملك غضبنا، وحين نختلف فنحفظ أخوة المختلف، وحين نملك القدرة على الانتقام فنختار العفو، وحين نرى مظلومًا فننصره، وحين نرى فقيرًا فنرحمه، وحين تغرينا الدنيا فنختار الأمانة، وحين تقف الحقيقة في وجه مصالحنا فننحاز إلى الحق.
ذلك هو المولد الذي تحتاج إليه الأمة؛ مولدٌ في السلوك، ومولدٌ في الضمير، ومولدٌ في الأخلاق، ومولدٌ في الوعي.
فالنبي ﷺ لا يحتاج منا إلى أن نضيف إلى مقامه شيئًا؛ فقد رفع الله ذكره وأعلى قدره، وإنما نحن الذين نحتاج إلى أن نعود إلى نوره، نحن الذين نحتاج إلى أن نعيد اكتشاف الرسالة في أنفسنا، نحن الذين نحتاج إلى أن نخرج من الاحتفال بالمولد إلى الاقتداء بصاحب المولد.
ولعل أبلغ ما يمكن أن نقوله في هذه الذكرى أن الأمة لا تُقاس بكثرة أبنائها، ولا باتساع أرضها، ولا بحجم ثرواتها، وإنما تُقاس بقدرتها على أن تكون وفيةً للقيم التي صنعت مجدها.
لقد صنع محمد ﷺ أمةً من أناسٍ كانوا متفرقين، ونحن اليوم بحاجةٍ إلى أن نتعلم كيف نعيد بناء ما تهدم من وحدتنا دون أن نلغي اختلافنا، وكيف نحول التنوع إلى قوة، لا إلى سلاح، وكيف نجعل المذهب بابًا للعلم، لا جدارًا للأخوة، وكيف نجعل الطائفة جزءًا من مجتمعٍ أوسع، لا وطنًا داخل الوطن، وكيف نجعل الدين جسرًا بين القلوب لا وقودًا للخصومات.
إن الأمة اليوم لا تحتاج إلى من يزيد النار اشتعالًا، وإنما تحتاج إلى من يطفئها بالحكمة. ولا تحتاج إلى من يوسع دائرة الكراهية، وإنما إلى من يفتح أبواب الرحمة. ولا تحتاج إلى من يذكّرها كل صباح بما يفرقها، وإنما إلى من يذكّرها بما يجمعها.
نحتاج إلى خطابٍ يعيد للإنسان كرامته، وللعقل مكانته، وللعلم احترامه، وللأخلاق سلطانها، وللوحدة معناها.
نحتاج إلى أن نربي أبناءنا على أن الاختلاف ليس عداوة، وأن المذهب ليس وطنًا، وأن الطائفة ليست دينًا مستقلًا، وأن الرأي لا يمنح صاحبه حق إهانة الآخرين، وأن القوة الحقيقية ليست في إلغاء المختلف، بل في القدرة على العيش معه بالعدل والرحمة.
وما أحوجنا إلى أن نستعيد ذلك المعنى النبوي العظيم الذي جعل الأخوة فوق العصبية، والعدل فوق المصلحة، والرحمة فوق الغضب، والحق فوق الهوى.
إن العالم الإسلامي اليوم أمام مسؤولية تاريخية؛ إما أن يبقى أسيرًا لخلافاته الصغيرة، أو أن ينهض من جديد مستفيدًا من تنوعه وقوته وطاقاته. وإما أن يظل ينظر إلى ماضيه باعتباره مجدًا يتغنى به، أو أن يجعل من ذلك الماضي مدرسةً لبناء مستقبلٍ يليق به.
فالرسالة المحمدية لم تكن رسالةً للماضي وحده، وإنما كانت رسالةً للإنسان في كل زمان ومكان.
وإذا كان محمد ﷺ قد استطاع أن يحوّل أمةً متفرقة إلى أمةٍ تحمل رسالة، فإن في سيرته ما يكفي لنتعلم أن المستحيل يصبح ممكنًا حين تتوحد الإرادة، وحين يسمو الهدف فوق الخلاف، وحين يتحول الإيمان من كلماتٍ إلى عمل.
يا أمة محمد ﷺ، لقد أشرق النور يوم وُلد الحبيب، وأشرقت معه رسالةٌ ما زالت قادرةً على أن تنير الطريق لو حملناها بصدق.
فلا تجعلوا المولد ذكرى بلا أثر.
ولا تجعلوا الصلاة على النبي ﷺ كلماتٍ بلا سلوك.
ولا تجعلوا محبته شعورًا بلا اقتداء.
ولا تجعلوا الأمة التي وحّدها محمد ﷺ جماعاتٍ يأكل بعضها بعضًا.
ولا تجعلوا اختلافاتكم أكبر من أخوتكم.
ولا تجعلوا الطائفة أكبر من الأمة.
ولا تجعلوا المذهب أكبر من الأخوة.
ولا تجعلوا السياسة أكبر من الإنسان.
ولا تجعلوا الماضي الجميل حكايةً نتغنى بها، بينما نعجز عن صناعة حاضرٍ يليق بها.
فما أحوجنا اليوم إلى أن يعود محمد ﷺ فينا أخلاقًا، ورحمةً، وعدلًا، وصدقًا، وأمانةً، وحكمةً، ووحدةً؛ لا أن يبقى فينا اسمًا نردده في المناسبات ثم ننساه حين تبدأ الحياة.
وفي ذكرى مولده الشريف، لعل السؤال الذي يجب أن يبقى مع كل واحدٍ منا ليس: كيف نحتفل بمولد محمد ﷺ؟ وإنما:
كيف نكون جديرين بأن نقول إننا من أمة محمد ﷺ؟
فإن كان مولده قد أخرج أمةً من الظلمات إلى النور، فإن ذكراه اليوم يجب أن تخرجنا من ظلمات الفرقة إلى نور الوحدة، ومن قسوة الخصومة إلى رحابة الرحمة، ومن العصبية إلى الأخوة، ومن التنازع إلى البناء، ومن اليأس إلى الأمل.
سلامٌ على محمد ﷺ يوم وُلد، وسلامٌ عليه يوم حمل الرسالة، وسلامٌ عليه يوم علّم البشرية أن الرحمة قوة، وأن العدل حياة، وأن الأخوة أساس، وأن الإنسان أكرم من أن يكون وقودًا للظلم والكراهية.
سلامٌ على من جمع القلوب بعد شتاتها، وأحيا الأرواح بعد موتها، وأخرج الناس من ظلمات الجاهلية إلى نور الهداية.
وسلامٌ على محمد ﷺ في يوم مولده، وفي كل يوم، ما بقي في الأرض قلبٌ يعرف معنى المحبة، ولسانٌ يعرف معنى الصلاة والسلام عليه.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، واجمع شمل أمتنا، وألّف بين قلوب أبنائها، واحفظ بلاد المسلمين وشعوبهم، وادفع عنهم الفتن والمحن، وارفع عنهم الظلم والفرقة، وردّ أمتنا إلى جوهر رسالتها ردًا جميلًا، واجعلنا من الذين أحبوا نبيك ﷺ صدقًا، واتبعوه خلقًا، واقتدوا به منهجًا.
الأستاذ
عمر محمد العرب
الثلاثاء 25 آب/أغسطس 2026م
12 ربيع الأول 1448هـ
