من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

محمود الشريف يكتب: جزيرة إبستين… مستنقع النخبة العالمية وفضيحة الضمير الإنساني

محمود الشريف يكتب: جزيرة إبستين… مستنقع النخبة العالمية وفضيحة الضمير الإنساني

جزيرة إبستين لم تكن استثناءً شاذًا في عالم نظيف، بل كانت الصورة العارية لعالم قذر يتقن التمثيل. هناك، سقطت كل الأقنعة، وظهر الوجه الحقيقي لنخبة دولية تتغذى على الشعارات وتعيش على انتهاك الأبرياء. ما جرى لم يكن “انحرافًا فرديًا”، بل منظومة فساد أخلاقي مكتملة، حمت نفسها بالمال، وسوّرت جرائمها بالصمت.

القذارة هنا ليست توصيفًا مجازيًا، بل حقيقة. قذارة وجوه تصدرت المشهد العام لعقود، تحدثت عن الحرية والحقوق والطفولة الآمنة، بينما كانت حاضرة — بالصورة أو بالصمت — في واحدة من أبشع جرائم العصر. من جاءت صورهم على جزيرة إبستين لا يحتاجون لمحاكمة أخلاقية… هم مدانون أخلاقيًا بالفعل، حتى لو أفلتوا قانونيًا.

أما استغلال الأطفال، فهو الجريمة التي لا يمكن تلطيفها ولا تجميلها ولا تدويرها لغويًا. هؤلاء لم يكونوا “ضحايا ظروف”، بل أطفالًا سُرقت طفولتهم عمدًا، تحت رعاية أصحاب النفوذ، وبمباركة عالم اختار أن يغض الطرف لأن الجناة “أكبر من أن يُحاسَبوا”. لم يكن هناك جهل… كان هناك علم كامل، وتواطؤ كامل، وصمت محسوب.

الأكثر انحطاطًا هو صمت من نصبوا أنفسهم أوصياء على حقوق الإنسان. منظمات تصرخ ليل نهار، لكنها خرساء حين يقترب الاتهام من أصدقاء السلطة. ناشطون بارعون في الإدانة الانتقائية، فقدوا أصواتهم فجأة. إعلام عالمي يعرف كل شيء، لكنه اختار أن “ينتظر التحقيقات” بينما تُسحق الحقيقة تحت الأقدام. هذا ليس صمتًا بريئًا، بل مشاركة كاملة في الجريمة.

جزيرة إبستين ليست فضيحة جنسية فقط، بل شهادة وفاة لما يسمى “الضمير العالمي”. هي الدليل القاطع على أن العدالة في هذا العالم تُفصّل على مقاس الأقوياء، وأن الطفل لا يصبح “قضية إنسانية” إلا إذا كان الجاني ضعيفًا أو دولة بلا حماية سياسية.

موت إبستين لم يكن نهاية القضية، بل كان محاولة قذرة لإغلاقها. دفن الرجل، لكن الشبكة ما زالت حية، والأسماء ما زالت محمية، والملفات تُفتح ببطء متعمد حتى يملّ الرأي العام. يريدوننا أن ننسى، أن نتعب، أن نُصدّق أن “النظام صحّح نفسه”. والحقيقة أن النظام نفسه هو المتهم.

في قضية إبستين، الصمت خيانة، والتواطؤ جريمة، والحياد سقوط أخلاقي كامل. وكل من يملك معلومة وسكت، أو صورة وتجاهل، أو اسمًا ودفنه، شريك في اغتصاب الحقيقة قبل اغتصاب الأطفال.