الدكتورة شيماء فرغلي تكتب: الله أكبر .. بين الدين والأدب والمعتقد الشعبي
نستخدم في لغة الخطاب اليومي الكثير من الجمل، منها ما يقال مرة أو مرتين ويمر مرورًا عابرًا، ومنها ما يتكرر عشرات المرات ويأخذ معاني ودلالات مختلفة حسب السياق الذي يتشكل فيه، وخصوصًا الجمل ذات الصبغة الدينية والمتضمنة لاسم "الله" عز وجل، فيكثر تناولها في نصوص منتجي الخطاب الديني عبر المنصات التعليمية والخطابية المتعددة في المساجد والمعاهد الدينية والقنوات الإعلامية، وبمرور الزمن يتفاعل المتلقين في الحياة اليومية مع هذا الخطاب بفهمه وتناقله كما هو تارة، وبإعادة تشكيله وقولبته عبر المؤثرات التاريخية والمعتقدات الشعبية تارة أخرى، فينتجون مسارات جديدة من التفسيرات والتأويلات يتم تداولها في الحياة اليومية. ونأخذ مثالًا على ذلك جملة "الله أكبر" التي يكثر ترديدها وسماعها في اليوم والليلة عشرات المرات، فهي ليست جملة عادية بل شعار من شعارات الإسلام، تؤدي وظائف تعبيرية ودلالية كثيرة يتفق بعضها مهما اختلف المكان أو الزمان، ويختلف بعضها الآخر وفقًا لفهم وتأويلات الناس من مكان إلى مكان، وفيما يلي استحضار لبعض المعاني والدلالات التي أدتها جملة "الله أكبر" عبر الزمن.
تتركب الجملة من كلمتين:"الله" لفظ الجلالة، وكلمة "أكبر" بمعنى أجل وأعظم وأعلى،فَهَلْ مِنْ شَيْءٍ هُوَ أَكْبَرُ مِنَ اللَّهِ؟! ومن هذه المعاني يتضح سبب غلبة الدلالات الدينية التي أدتها هذه الجملة، وخصوصًا في الدين الإسلامي، فيستخدمها المسلمون في بعض شعائر عبادتهم، مرددين "الله أكبر" عشرات المرات في الغدو والآصال في الصلوات والركعات والسجدات، ويرفع به المؤذن مناديًا وداعيًا في كل يوم خمس مرات، ويذكرها الصائمون آخر شهر الصيام، ويبتهل بها الحجاج عند بيت الله الحرام، ويبتهج بترديدها المسلمون في الأعياد، امتثالًا لسنة النبي صلى الله عليه وسلم بالتكبير في العيدين، فلم يكن مجرد ذكر يردده المؤمن ليكشف جانب من عظمة الله، ولكنه تحول إلى نشيد إلهي تمتلئ به القلوب وتنشرح به النفوس في الأعياد حين ينشد المسلمون: " اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وَسُبْحَانَ الله وبحمده بكرة وأصيلا...الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد".
والمتصفح لنصوص الكتب التراثية القديمة لا يستطيع إحصاء المواطن التي ذكرت فيها جملة "الله أكبر" من فرط كثرتها، وخصوصًا في المعارك الحربية وأوقات الانتصارات، إذ رددها المسلمون بألسنتهم وارتفعت بها أصواتهم وامتلأت بها قلوبهم عند مواجهة الأعداء في الحروب، فثبتت أقدامهم،وأنزلت الرعب في قلوب أعدائهم، وبعد النصر كانت تتردد أصداء التكبير والتهليل للجنود المسلمين فرحًا وابتهاجا بالنصر،فيذكر الواقدي المتوفى عام 207هـ/823م في فتوحه أن المسلمين حين اقتربوا من دخول بيت المقدس في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، علت أصواتهم بالتكبير والتهليل()، وكان القادة المنتصرون يبدأون بها خطبهم وجملهم الحوارية، فقد بدأ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبته للمسلمين عقب الانتصار على يهود خيبر()، فزادتهم إيمانًا على إيمانهم، والعبرة هنا لم تكن في ترديد لفظها، بل في الإيمان بمضمونها بأن الله أكبر من كل كبير، وأعظم من كل شيء، وأن النصر من عند الله، صاحب الكمال المطلق الذي لا يحده زمان ولا مكان، فيقر المؤمن عند قولها بقدرته البشرية المحدودة أمام القدرة الإلهية المطلقة.
واستمر استخدام جملة "الله أكبر" حديثًا في أوقات الانتصارات، وأخذت منحًا أدبيًا وتشكلت منها الأناشيد والأغاني والأشعار، ومن الأمثلة الحديثة على ذلك:هتاف المصريين بـ"الله أكبر"عند نصر أكتوبر المجيد عام 1973م، الذي كان مصدر إلهام للشاعر عبد الرحيم منصور، لتأليف كلمات أشهر أغاني انتصار حرب أكتوبروالتي كان مطلعها "بسم الله، الله أكبر بسم الله بسم الله"، ولحنها الموسيقار بليغ حمدي واستعان بخمسة عشر فردًا من العاملين بمبنى الإذاعة والتلفزيون وقام بتدريبهم على الأغنية وأذيعت في السابع من أكتوبر.
" الله أكبر"كانت خير مفتتح لكثير من الخطب والنصوص النثرية والشعرية، نذكر منهم على سبيل بعض أبيات من القصيدة المعنونة بـ "الله أكبر" للشاعر نواف محمود عبد العزيز() التي افتتح بعض أبياتها بجملة "الله أكبر" ثم تلاها بشرح المعاني المتضمنة فيها والدالة عليها، ويتضح ذلك في الآبيات الآتية:
الله أكبر كانت خير منطَلَقٍ ... الله أكبر إيمان ومعتقَدُ
الله أكبر خير فاتحةٍ... الله أكبر تُكْلانٌ ومعتمَدُ
الله أكبر زلزالٌ وصاعقةٌ... الله أكبر فيها قٌوَّةٌ صَعَدُ
الله أكبر عين الله تحرسهم...الله أكبر في ساح الوغى رَصَدُ
الله أكبر للآمال موصلةٌ... الله أكبر دَربٌ وارفٌ جَدَدُ
"الله أكبر" هي من الجمل الدارجة على ألسنة الناس في لغة الخطاب اليومية لديهم، واتسعت دائرة استعمالها وأخذت مسارات جديدة في التداول بين الناس في الحياة اليومية، واعتاد الناس جبلًا بعد جيل على تلك المسارات الدلالية الجديدة، وأصبحت جزءًا من ثقافتهم ومعتقدهم الشعبي، فنجد البعض يرددها حين يتم النظر إلى ذوي السلطة أوالمكانة الاجتماعية الكبيرة نظرة تأليه وتقديس، فتدفق حينها على ألسنتهم جملة "الله أكبر" للتأكيد على أن تحقيق العبودية لله الواحد الأحد، والعودة إليه أكبر من الدنيا وما فيها، أما الاستعمال الأكثر شيوعًا بين الناس في الحياة اليومية اليومية كان لدفع الحسد والوقاية منه أثناء الحديث عن الأشياء الجميلة والمستحسنة لدى الأفراد من أشخاص أو ممتلكات، والبعض الآخر يرددها حين يعجب بالأشياء والممتلكات الخاصة بغيرهم فهي تعني هنا أن الله أكبر مما رأى، وتحمل في طياتها دعاء للغير بالزيادة والبركة فيما يملك، واتسعت دائرة الاستعمال من المنطوق إلى المكتوب فنجد جملة "الله أكبر" مكتوبة على لوحات معلقة على الجدران، وكذلك في صورة حلى ترتديها بعض النساء للتبرك بها ودرء الحسد عنهم.
واختار هذا التمجيد لله الأكبر بعض الكتاب والمؤلفين ليكون عنوانًا لمقالاتهم وكتبهم، مثل: المستشرق المسلم عبد الكريم جرمانوسGermanusGyula الذي عنون كتابه المنشور في المجر عام 1936م بـ"الله أكبر"، حيث تحدث فيه عن رحلاته إلى العالم العربي ومنها المملكة العربية السعودية حين أدى فريضة الحج عام 1353هـ/1934م واجتمع فيها مع العديد من رجالات هذه البلاد وبعض أدبائها، وتناول الكتاب بعض جوانب من سيرته وحياته بعد إسلامه، وفي الكتاب فصل عن التكوين الجغرافي للجزيرة العربية وفصل آخر عن العلماء الذين دخلوا الجزيرة كما توجد فصول عن الدين الإسلامي وتعاليمه السمحة وشريعته وبعض التفصيلات عن تاريخ الشعوب الإسلامية. وتُرجم الكتاب إلى عدة لغات أجنبية مثل الألمانية والإيطالية والبولندية.
ورغم كثرة الوظائف التعبيرية والدلالية التي أدتها جملة "الله أكبر" بين الشعائر الدينية والنصوص الأدبية والمعتقدات الشعبية في مواقف وأزمنة وأمكنة مختلفة، إلا أنها اتفقت على الإيمان الصادق واليقين الثابت بأن ذكر الله هو الأكبر، يرفعه المؤمن في كل مكان فتمتلئ بشذاه الأرجاء ويتلاقى تكبير أهل الأرض بتكبير أهل السماء، فيغمر الكون كله سحائب من الرحمات.
.webp)